أزعم،، ولا أدعي، أني عاشرت منذ أيام السبعينات ولياليها،، كل الأطياف السياسوية الراقصة اليوم على ركح النشاط السياسي والحقوقي،، وعشت معها داخل أسوار الجامعة، ومبيتات باردو، ورأس الطابية، والزهور، والكارافيل... وخارجها، بمقاهي وحانات CHEZ LES NEIGRES والمغرب وDRUGSTORE... حين كنّا نقبض المنحة (30 دينارا بالتمام والكمال)...
وها هي نفس المسرحية العبثية، تتواصل الى يوم الناس هذا، ولم تنته فصولها، ولم يتغير أبطالها وبطلاتها إلا من غيبهم الموت،، فظلوا يكررون أنفسهم، ويجترون ذات الأفكار البالية،، التي أبقتهم محنطين في زمن عصفت به شرقا وغربا موجات التغيير،، فسقط جدار برلين، واندثر الاتحاد السوفياتي، واضمحل نظام أنور خوجة، وأضاع القوميون فلسطين، وأكتوت الأمة بإرهاب من يدعون الدفاع عن الاسلام والمسلمين...
هذه الزمرة من السياسويين ـ ذكورا وإناثا ونص نص أيضا ـ ممن إحتضنتهم الجامعة طيلة ستينات وسبعينات وحتى ثمانينات القرن الماضي،، فاقتتلوا داخل أسوارها، وتمعشوا من قضايا الجماهير الطالبية الصامتة، من خلال رفع شعارات زائفة، وعنتريات شي غيفارا، وغوغائية ماركس ولنين، وفوضوية تروتسكي...
بعد الجامعة،، حاولوا نقل عبثيتهم الى مكونات المجتمع المدني، وفرخوا داخل النقابات، والمنظمات الحقوقية، والتنظيمات السرية،، كمجموعة آفاق من جماعة الشماري، والشرفي، وبن حسين،، ومنظمة العامل التونسي، وحزب الشعب الثوري، اللذين لم يبق منهما سوى عمار المستيري، وحمة الهمامي وحرميهما سهام بن سدرين، وراضية النصراوي،، والتشكيلات القومية من بعثية وناصرية، انحصرت الآن في نجيب الشابي ورشيد خشانة،، وكذلك جماعات الارهاب الديني والفكر الظلامي بزعامة راشد الغنوشي وأتباعه...
قلت أني عايشت عن قرب هذه التنظيمات وجماعاتها، فلم أرصد لهم طيلة أكثر من ثلاثة عقود أي أنجاز وطني، يحسب لهم ويسجله التاريخ،، بل هم لا يتفقون في شيء، ويزايدون على كل شيء، شعارهم.. خالف تعرف،، وأسلوبهم ضربني وبكى، سبقني وشكى،، تكريسا لقاعدتي عمل اشتهروا بها على الدوام، تقوم على معاداة الدولة الوطنية، والارتهان للأجنبي.. بوبرطلة...
ولا أنكر أني تفهمّت الى حدّ ما، كي لا أقول تعاطفت مع بعض هذه التنظيمات، وحاولت على إمتداد فترات سابقة أن أجد مبررات مقنعة لتصرفاتهم، فلم أفلح... وانتهى بي المطاف في الأخير، الى الإقتناع ـ عن مضض ـ بأن ضيق الأفق السياسي والحقوقي في تلك المرحلة التي فرضتها أولويات بناء الدولة الوطنية بعد مرحلة الاستعمار،، هو الذي حكم بأن تكون مواقف هؤلاء متحجرة، صلبة...
غير أن الذي استعصى علي فهمه،، وألتمس من السادة القراء المبحرين في موقع بالمكشوف، أن يساعدوني على فك رموز نقطة الاستفهام هذه،، لماذا يتواصل إصرار هؤلاء السياسويين على الانحباس داخل أطروحاتهم البالية، والتقوقع داخل أوهامهم القديمة، والتشبث بأفكارهم الجامدة،، والحال أن مجالات الإبداع والتعبير قد تنوعت وتعددت، في ظل ما تشهده بلادنا منذ عشريتين من أبعاد، وتطورات، وتنمية شاملة، يشهد برحابة فضاءاتها العدو قبل الصديق...
فهلاّ أفهمتموني، بارككم الله سلفا.
الامضـــــــــــــــاء : تونسي بن تونسي أب عن أم عن جد