عرفت السيد الأسعد الجوهري أواسط ثمانينات القرن الماضي، وجمعتني به أنشطة كشفية مع ثلة من شباب منطقة باردو والدندان وأحياء الزهور المجاورة،، كان يتقد نشاطا وحيوية، أكثر من الكشفيين الآخرين...
وما شدني إليه في البداية،، تصوفه،، نعم الجوهري كان في تلك السنوات الجميلة متصوفا،، ولم أكن أنا كذلك، لكنه استطاع أن يقنعني باتباعه، ولو من باب أن معرفة الشيء خير من جهله،، فعشت ـ فعلا ـ تجربة روحانية زاخرة بالمعاني، قد تكون ساهمت في حمايتي من منزلقات المراهقة، ومطباتها في تلك المرحلة، على الأقل...
ثم، ولأسباب دراسية، غادرت تونس، وانقطعت صلتي بالسيد الجوهري لسنوات معدودات،، ولما رجعت إلتقيته في دار الشباب بباردو كشافا، كما تركته،، لكنني صدمت في الرجل، إذ لم يبق كما عهدته، متدينا، متسامحا،، بل وجدته متزمتا، متشددا الى حدّ التطرف،، ولاحظت أنه اتخذ من النشاط الكشفي غطاء لتمرير أفكار غريبة، جمعها من كتب سيد قطب، وأبي الاعلى المودودي، وغيرهم من دعاة التكفير والارهاب...
فالمخيمات الكشفية، التي كنا نجهد النفس في تنظيمها لفائدة الأشبال، صارت ـ بعد انقلاب الجوهري ـ إطارا للدمغجة، وغسل أدمغة أولئك الأشبال، وتلقينهم قصائد تكرس الإرهاب الفكري، أستحضر مطلع إحداها.. أبتاه ماذا يخط بناني، والسيف والجلاد ينتظراني...
صارحته بملاحظتي، وطلبت منه أن يتقي الله في أطفال ومراهقين، هم أمانة في أعناقنا،، فضحك وقال: إنه فعلا، يتقي الله فيهم، ولذلك فهو يعدهم ويحرضهم على فرض حاكمية الله في الأرض،،هكذا، بكل بساطة... فتأكدت أن الأسعد قد انخرط في تنظيم الاتجاه الاسلامي، وأن عاقبته لن تكون محمودة...
ودارت الأيام، وصدق حدسي، ودون الدخول هنا في الجزئيات،، إلتقيت الأسعد أكثر من مرة، بعد خروجه من السجن، وحاولت إقناعه بأن الطريق الى الله.. واحدة وواضحة.. وأننا معشر البشر لسنا في حاجة الى واسطة بيننا وبين ربنا، وأن من يدعون إمتلاك الحقيقة الربانية مخطئون، وقلت له أن راشد الغنوشي رجل دجال، وأن الحقيقة موزعة بين كل المكونات الفكرية، وأن لا أحد يستطيع الإدعاء بإمتلاكها...
لكنه،، لم يفهم، أو هكذا بدا لي على الأقل، وحاول الدفاع ـ بكل ما أوتي من قوة ـ عن شيخه راشد، وهو يعلم أكثر مني أنه ضحك على ذقونهم، ولعب بلحيهم، طويلها، وقصيرها، كثّها، وخفيفها ...
وعاودت الأيام دورتها،، مرة أخرى،، وإلتقيته أواخر هذا الصيف، فتعمدت تجاهله، لكنه بادرني بالسلام، وقال لي وقد أنهكته الهموم.. خوي عبد الله عندك الحقّ.. لقد كنت مخطئا، وأضعت ثلاثة عقود من عمري ألهث وراء السراب، لقد كنت فعلا بيدقا ـ لاغير ـ تلاعبت بي أيادي الغدر والنفاق، وسبب البلية هو الغنوشي الذي جنى على الألاف من خيرة شباب تونس، بعدما زيّن لهم الخطيئة باسم الدين...
واسترسل محدثي يقول، لقد تبين لي أن غرور الغنوشي، واستبداده بالرأي، وإنفراده بالقرار، هو من جرّ الحركة إلى الدخول في مواجهة انتحارية، دون وعي بالحجم الحقيقي للخسائر، بعدما أعرض عن استثمار الفرص التي منحت للتنظيم للاندماج في المجتمع بصورة طبيعية، غير أنه فضل العمل السري، وحرق المراحل...
كما لم يقدر الغنوشي أن قيادة الحركة أمانة، بل جعلها وسيلة لتحقيق ملذاته الدنيوية، فضرب عرض الحائط مبدأ احترام سنة التجديد، والتداول على المسؤولية، وتسمك بدواليب التنظيم بكل شراسة، واحتكر القرار والأموال، دون إدراك لحالة التململ التي أصابت الأتباع جراء الركود وانسداد الآفاق،، وما تبع ذلك من إقدام عدد من الإخوة على تجميد عضويتهم، أو الإنسحاب من التنظيم في صمت...
طلبت منه أن يبادر بالاعلان صراحة عن هذه الحقائق، ولم لا نشرها، حتى يتفهمها من وقع التغرير به من أمثاله، ومن سيطرت الغشاوة على بصائرهم... لكنه إعتذر، وأكد لي بأن له طريقته الخاصة في التعاطي مع الموضوع...
وقد علمت هذه الأيام، أن الأسعد الجوهري إختار طريقة Porte a porte، وأصبح يتنقل بين معارفه، لمصارحتهم بما وقف عليه من حقائق...