منذ أيام خلت،، كنت بصدد التحاور مع بعض طلبتي بشأن ما نراه عبر القنوات التلفزية، من إستعداد مكثف للمجتمعات الأوروبية إحتفالا بأعياد الميلاد،، ولم أدر، كيف أخذنا الحوار بعيدا، وانتهى بقسم منا الى إعتبار أن هذه الإحتفالات ذات منحى ديني بالأساس،، وإعتبار القسم الآخر أنها بالعكس لم تتجاوز معانيها الإجتماعية، بالنظر الى ما يرمز إليه "بابا نوال" مثلا، من قيم التحابب والتوادد...
وفجأة... سألتني إحدى الطالبات، بمكر ودهاء ظاهرين،، وكانت تعرف ـ مثل بقية زملائها ـ خلفيتي السياسية، وإنتمائي للمعارضة،، إذ قالت حرفيا : ترى، ما تكون جنسية "بابا نوال"،، وما سرّ هذه الهدايا والعطايا التي يوزعها على الجميع ببشاشة وهشاشة، ولا يفرغ جرابه منها أبدا...؟
وأذكر،، أني أجبت سائلتي بقدر من التلقائية والعفوية، يوازي مكرها ودهاءها، وقلت بنبرة هزلية، يغلب عليها الجدّ.. ثقي آنستي،، أن "بابا نوال" ذاته، صار صعبا عليه في هذا الزمن الذي عولمت فيه العولمة كل شيء، أن يحدد جنسيته، ولا حتى أصوله الأولى... فقد يكون فرنسيا،، أو ألمانيا،، أو بريطانيا،، أو إيطاليا،، أو من أية ملّة أخرى،، ذلك أن جنسيته أصبحت تتغيّر بتغيّر المصالح، وترتهن بقوانين الصرف، والعرض والطلب...
ولتقريب المسائل أكثر،، سارعت الى الإستشهاد بلقطة طازجة ومعبرة، مرّت عليها بالكاد أيامات معدودات،، فأضفت قائلا.. أنظروا، كيف اختار رهط ممن يدعون الدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان في تونس مثلا، أن يكون "أبوهم نوال" هذه السنة أمريكيا، ومن قاع الخابية...
فهل حسبتم،، أعزائي،، أن واحدا كمنصف المرزوقي، أو نزيهة رجيبة، أو راضية النصراوي، أو خديجة الشريف، أو عمار المستيري، أو مختار الطريفي،، كانوا سيتسابقون ويتدافعون للسفر.. دعوة متلازمة،، الى الولايات المتحدة الأمريكية في غمرة تحضيراتها واستعدادها للاحتفال كسائر البلدان الغربية، بأعياد الميلاد،، لو لم يكن لديهم يقين بأن الأب العزيز Noël متواجد هناك.. ويستعد لنثر هداياه،، وعطاياه،، ودولاراته،، على أعتاب بعض المنظمات التي تجاهر منذ الأزل، بأنها تساند كل مدّ ديمقراطي وحقوقي في العالم،، والحال أنها تتخبط في أوحال العنصرية، وغارقة كليا في سراديب الباطـل؟؟
ثم انصرفت،، تاركا لطلبتي مساحة حرة لتقليب الأمر طبق ما يشاؤون،، ولو أنها ليست المرة الأولى التي أصدع فيها بمثل هذه الحقائق، ولن تكون الأخيرة، بالتأكيـــد...
أيها الســــــــادة،،
إن البراهين تتزاحم على أن المرزوقي وبقية الشلّة التي صاحبته منذ أيام الى بلاد العم سام، تزامنا مع أعياد الميلاد،، ليسوا معارضين، بل هم أدعياء معارضة، لمسوا في الاتصاف بهذه الصفة منافع لهم، فساروا على هديها وتفننوا في التلقب ـ جورا ـ بألقاب لا تستقيم مع أقوالهم، ولا تنطبق على أفعالهم !!!
فوالله،، لو أن هؤلاء، قدروا مفهوم المعارضة والعمل الحقوقي حق قدره، وأسبغوا عليه ما يستحق من الشفافية والصدق ونكران الذات، وحرصوا على بلورة رؤى عملية وجادة وهادفة تحقق الإضافة على جميع المستويات، ولكافة الفئات الشعبية... لكنت أول من يرفع قبعته إحتراما لهم،، وأول من يسخّر قلمه للإشادة بسمو مبادئهم...
لكــــــــــــــــــــن،،
عندما أسمع،، أن أعضاء هذا الطاقم المعارض كانوا على إمتداد زيارتهم الى أمريكا، أشد حقدا على موطنهم، من أباطرة الحقد الأجانب ذاتهم الذين اشتهروا داخل منظمات HUMAN RIGHTS WATCH وFIRST HUMAN RIGHTS وAMNESTY بالسمسرة في القيم الكونية، والمزايدة على حقوق الشعوب...
وعندما أسمع أيضا،، أن أفراد هذه القافلة التي قادها المرزوقي، لم يكن لهم من زاد يتزودون به في بلاد الأمريكان، إلا الوهم المعشش في أدمغتهم... والكذب المتعاقد مع ألسنتهم... والطمع في أن يتكرم عليهم مضيّفوهم، بما خفّ حمله وغلى ثمنه، وفي أن ينالهم النصيب الأوفر من بركات "بابا نوال"...
صدقوني،، يتضاءل عندئذ، أمام ناظري كل المحسوبين على المعارضة الوطنية،، ويندى جبيني خجلا من إيقاع فضائحهم،، ثم أتساءل بحرقة وألم... هل بقي فيهم بعد كل الذي سمعته، من يستحق أن أرفع قبعتي إحتراما له، أو أسخّر قلمي للثناء عليه؟
الى اللقـــــــــــــــــــــاء...
الامضاء: عن أسرة التحرير
الهادي التونســي
09 جانفي 2008