الدروس لا تأتي من معاقل الإنتهاكــات .. ولا ينطق بالفضيلة ،، أبناء الغانيات
لا شك عندي ، أن الكثير من السادة القراء ــ وخاصة من كان منهم في مثل سني ــ يتذكرون قصيدة " الثعلب المحتال " التي يقول فيها أمير الشعراء أحمد شوقي :
برز الثعلب يوما في شعار الواعظينا ومشى في الأرض يهدي ويسب الماكرينا
كما أظنهم يتذكرون ، كيف كان مدرسونا في السنوات الإبتدائية يتشددون معنا كي نحفظ كل الأبيات عن ظهر قلب ،، وكنا نفعل ،، دون أن ندرك الأبعاد الرمزية التي لامسها الشاعر ، ودون أن نعطي لشعره من الأهمية أكثر مما تجود به عقولنا الصغيرة .
ثم ،، كبرنا مع الأيام ، ونمت ملكاتنا ، وتوسعت معارفنا ، وصرنا نفهم حدود المبنى والمعنى في الكتابة الشعرية والنثرية ، حتى أننا كنا نتناظر نحن التلاميذ ،، أيّنا الأبرع والأسرع في فكّ " شفرة " الشعر عند أحمد شوقي ، أو لا فونتان ، أو عند غيرهما من فطاحل الأدب الإنساني .
هؤلاء الأحفاد ، فضحهم الأستاذ مصطفى عطية في ركن "مؤانسات" الذي يؤثثه يوميا بجريدة الصريح ، حيث كتب يقول :"إن الدروس لا تأتي من معاقل الانتهاكات .." أي –بقراءة أخرى – إبليس وينهي عالمنكر : فبيّن بعبارة بليغة أن الأخلاف كالأسلاف كلهم يحنون إلى الأحقاب الاستعمارية ويتحركون حيثما توجهم غرائزهم العنصريّة ... فهم كلّما نظروا من عليائهم إعتقدوا بأنهم أوصياء على بقية "مخاليق ربي" وصاية مطلقة .
هكذا يتخيّل أصناف من الغربيين ، وهكذا يخططون بكل دهاء عسى أن يدخلوا من بوابة القيم الكونية ومبادئ حقوق الإنسان ، والحريات العامة والفردية ... إلى البلدان المفتخرة دوما بذاتيها ، المعتزة بماضيها ، المتفائلة بمستقبلها ، الحريصة على سيادتها وعلى إستقلالية قراراتها ،، ليؤسسوا فيها محاضن لتفريخ أفكارهم العنصرية الحاقدة ، وبث سمومهم الفتاكة .
وأنا ،، لا تثيرني التقارير الغربية حول حقوق الإنسان والحريات في العالم ، لا لأنها تعكس صور النفاق الغربي فحسب ،، بل لأنني " تونسي صحيح " ، أثق في سلامة التمشي الذي إختارته الإرادة السياسية في بلدي ، وأؤمن بحصافة رأيها وصفاء رؤيتها ، ولأنني أتطلع أيضا إلى المزيد من النجاحات على كل المستويات والأصعدة ... إنما يثيرني حقا ويقلقني ويؤسفني ، أن يجد أولئك الإستعماريون الغربيون الجدد سبيلا لحفر جحورهم بين ظهرانينا .
فأنظروا مثلا إلى ما تسمّى بالجمعية الدولية للدفاع عن المساجين السياسيين أو بالمجلس الوطني للحريات ، أو بجمعية حرية وإنصاف ، أو بجمعية مساندة ضحايا التعذيب ... إلى آخر القائمة ،، أليست هذه جحورا لفبركة الكذب وصناعة الإشاعة ، ونشر السوء ..؟ أوليس المشرفون عليها بدءا بسعيدة العكرمي وسهام بن سدرين ومحمد النوري وراضية النصراوي ، وغيرهم أبواقا للدعاية الرخيصة تلهو بها ــ لحين ــ أيادي غلاة الإستعمار في الغرب ..؟
حقيقة ... لا يهمني أن يبرز العنصريون الشوفينيون في الغرب مع كل مطلع شمس بأقنعة جديدة ومتجددة في أشكالها وألوانها ،، لأن ذلك من شأنهم... لكن ،، يهمني كثيرا أن يتفطن أبناء بلدي إلى حجم الخدع والحيل التي يخفيها أولئك الإستعماريون وأذنابهم خلف تلك الأقنعة ،، لأن الأمر ـــ عند هذا الحدّ ــ يصبح من صميم شأننا .
قبل أن أنسى ، أذكر بأن أحمد شوقي قفل قصيدة الثعلب المحتال بقولـــه :