حدثني أستاذ لغة أنقليزية بأحد المعاهد الثانوية بالعاصمة ،، فقال :
حصل بالمعهد خلال الأيام المنصرمة حادث عابر سرعان ما استغله بعض التلامذة كتعلة لمقاطعة الدروس ، وترديد شعارات ذات منحى يساري دون أن يدركوا لها أي معنى أو مغزى .
فانتهزت فرصة تواجد بعض المشاغبين منهم بإحدى الأقسام التي أدرّسها لأستفسرهم عن كنه الشعارات التي رددوها ، وما ترمز له من خلفيات فكرية وإيديولوجية ،، فوجدتهم أفرغ من فؤاد أم موسى ، حيث لا أحد منهم إستطاع أن يشفي غليلي بإجابة مقنعة .
وإيمانا مني كأستاذ بأن المهمة التربوية تسبق المهمة التعليمية ، فقد إرتأيت أن أذكرهم بوجوب الوعي بما يقولون وبما يفعلون ليكونوا بصدق مسؤولين على أقوالهم وأفعالهم ، ويتجنبوا بالتالي مخاطر الإنزلاق في متاهات الغوغائيــة ...
وأوضحت لهم أن الشعارات التي جرت على ألسنتهم صاغتها مجموعات يسارية كانت تنشط بالجامعة فترة السبعينات والثمانينات ، ثم تحنطت وذهبت مع الأيام ريحها ، ولم يبق من آثارها إلا شراذم مشتتة هنا وهناك ، من بينهم حمّة الهمامي ...
فأسرع جلّ التلامذة إلى مقاطعتي متسائلين بصوت واحد .. ومن يكون هذا الذي ذكرت يا سيدي ،، فأجبت على الفور أما من أحد يعرفه ؟؟ فأومأوا بإشارة النفي .. فتعجبت ،، فأردفوا قائلين :
ـ إنه لاعب كرة " قديم ياسر "...
ـ بل ، إنه بطّال ، يتعاطى الإنتصاب الفوضوي بالأسواق الأسبوعية ...
ـ لا ، لا ، هذا لا يكون إلا أحد الحارقين إلى .. برّ الطليان ...
أما أنجبهم فقد لامس أو يكاد حقيقة " الرجل " ، إذ ردّ بالحرف الواحد: لن يكون إلا " سمسار ديار " أو " قشار " في سوق السيارات ....
عند هذا الحدّ ، فضلت أن أنهي الجدل القائم ، وأغلق القوس الذي كنت فتحته بنيّة إنارة عقول تلامذتي ، كي لا ينساقوا مستقبلا خلف مقولات لا يفقهونها ولا يعلمون مبدأها ومنتهاها ،، وأجبتهم بأن حمة الهمامي الذي أقصده ولا أقصد سواه ، قد تجمعت في شخصه ـ فعليا ـ الكثير من المواصفات التي أتوا على ذكرها... واحدا ، واحدا .. !
وبما أن الإجابات التي تلقيتها لم تكن بالدقة المطلوبة ، توجهت إلى كامل الفصل بهذه الإضافات ، قائلا :
فعلا .. هو قديم ياسر .. بالنظر إلى بوار أفكاره ومرجعياته التي " صفر عليها الترينو " منذ أحقاب ، ثم إن لا علاقة له بكرة القدم التي ربما يكون قد " لعبها " في الصغر ،، والله أعلم ...
وهو أيضا .. بطّال .. بما في الكلمة من معان ودلالات ، إذ أنه متعاقد مع البطالة ولم ينعم يوما بشرف العمل ، فقد اعتاد الإرتزاق من عرق الآخرين ،، كتعوده على الفوضى .. حيث لا يرى أحسن من العيش متخفيا في سراديب الظلام أين تستباح كل الممنوعات .
أما قولكم بأنه .. أحد الحارقين إلى برّ الطليان .. فلا أظن أن الحاجة تدعوه إلى " الحرقان " ما دام مبجلا مكرما حيثما حلّ في ديار الغربـ ( ة ) بإعتبار ما قدم ولا يزال من " خدمات " إلى أسياده هناك .
تبقى .. السمسرة .. وهي أكثر الصفات مطابقة لما أعرفه عنه منـذ أيام الجامعة ، لكن مع بعض التعديلات الطفيفة ، فإختصاصه يتعدى مجال العقارات والسيارات ... ذلك أن حمّة ـ لعلمكم ـ يبيع ويشتري في كل القيم والمبادئ ، ولا شيء يكبح جماحه حتى لو تعلق الأمر بـ... ( معذرة لا أستطيع أن أوضح أكثر ) .
إنتهت ساعة الدرس ، ولكم تمنيت لو حضر معنا " الرفيق " حمّة الهمامي وتابع مجريات الحوار بيني وبين تلامذتي ، ليكون شهاد عيان بأنه نكرة لدى هذه الأجيال مهما أجهد نفسه في لعب دور " البطل الخارق " ، وبأنه في الأخير لا يساوي أكثر من صفر على الشمال حتى ولو عزّز جانبه بمجموعات متراصة من الأصفـــار.