حين كتب الدكتور عبد الوهاب الكبسي ،، من ستوكهولم ،، قائلا : " إن ما يسمى بالمعارضة الديمقراطية في تونس لم تبدُ عليها علامات النضج ، وإن أمامها الكثير من العمل حتى تكسب ثقة المواطن ، وتساهم في حركة البناء والتشييد ... وعليه ، فإني لا أرى ما يدفعها إلى مخالفة السلطة سوى الرغبة في الإثارة وإختلاق الأزمات للفت الإنتباه ، وتسجيل الحضور ، وخدمة أجندات بعض الأطراف الخارجية ... " ( أنظر مقاله الصادر بالموقع تحت عنوان : بن علي .. هل تكفي الكلمات لوصف نجاحاته ) .
حين قال الدكتور قولته هذه ،، ثارت ثائرة البعض ممن يكرهون أن يُشار إلى نقائصهم بمثل تلك الصراحة ، ويُكشف بمثل ذلك الوضوح عن عبثية أفعالهم التي هي في الحقيقة تهدم ولا تبني ، تدمر ولا تعمر .
لكن ، وأيا كانت ردود أفعال هؤلاء ، فإن ما أشار إليه عبد الوهاب الكبسي مبنى ومعنى ، لا يختلف فيه إثنان ،، حيث إن حالة الإنقسام التي تعصف هذه الأيام ـ مثلا ـ بأركان الحزب الديمقراطي التقدمي حول الإنتخابات البلدية المزمع إجراؤها في غضون الأسابيع القليلة القادمة ... تؤكد أن فئات من المعارضين أمثال نجيب الشابي ، ومية الجريبي ، ومن ورائهما أعضاء المكتب السياسي للحزب إنما يجدفون ضد التيار ، ولا يهتمون بمشاغل الرأي العام كإهتمامهم بما يمكن أن ينتج عن المشاركة في المنافسة الانتخابية ،، أو عدم المشاركة فيها من معادلات ، تماشيا مع منطق الحسابات الضيقة ، والنزعات الذاتيــة ..!
لقد تعلمنا من تجارب الآخرين ، أن التأسيس لمجتمعات مدنية تؤمن بالحداثة ، وتُزهر في رحابها كل الألوان السياسية ، لا ينبع إلا من إلتزام مختلف العائلات الفكرية بخدمة مصالح المواطنين والتفاعل مع تطلعاتهم ، إنطلاقا من المشاركة الإيجابية في المنافسات الإنتخابية بإعتبارها حقا وواجبا ، خصوصا تلك التي تؤدي إلى المجالس البلدية .
بيد أن هذه الحقيقة الثابتة والبديهية ، أسقطتها قيادة الحزب الديمقراطي التقدمي من حساباتها بالضربة القاضية ، واستعاضت عنها بفتح الباب للصراعات الداخلية بين أطراف تؤيد مبدأ المشاركة ... وأخرى تعارضه وتتمسك بفكرة المقاطعــة ...
فبالنظر إلى مواقف هؤلاء ، وأولئك ، نتبين بجلاء ما كان نصّ عليه الدكتور الكبسي ، وهو أن عددا ممن يتقمصون أردية المعارضة في بلادنا ، لم يبلغوا بعد مرحلة النضج السياسي .
وكفى به دليلا ، أن قيادات الحزب الديمقراطي التقدمي صارت تجتمع هذه الأيام على كلمة " لا شيء " .. وتتفرق على عبارة " ما فيش " .. يعني أن الحزب ككل .. حلّ الصرّة تلقى خيط .. فهو يفتقر ـ كعهدنا به دوما ـ إلى رؤية واضحة وجليّة ، ومتماسكة ، بل لا يمتلك حتى الشروط الدنيا للإتفاق على رأي موحد يجمع كل الفرقاء .
فدعاة المشاركة في الإنتخابات البلدية ، لا يأملون من موقفهم أكثر من إبقاء الحزب ضمن دائرة الضوء ، والمراهنة على إستثمار فرضية إسقاط قائماته ( بعد الدفع بمرشحين لا تتوفر فيهم الشروط القانونية ) بما يساعد في النهاية على إستغلال هذه الذريعة للترفيع في نسق المحاججة ، والتباكي ... ومن ثمة العمل على إستدرار التعاطف الخارجي من خلال ترديد شعار " المعركة الإعلامية والسياسية متواصلة ضد السلطة " .
أما أضدادهم ،، فقد لاحوا أكثر واقعية ، إذ سلموا تسليما بأن حزبهم أعجز ما يكون عن تشكيـل أية قائمة إنتخابيـة في أية دائرة من دوائر المنافسة لقلـة " النساء والرجال " ، وهو ما يحتم المبادرة منذ البداية ـ حسب رؤيتهم ـ بإعلان المقاطعة بتعلة عدم توفر ضمانات المشاركة ،، وشروط الانتخابات النزيهة ، مما يمكن من ستر عيوب الحزب المتراكمة ، ويحول دون إنكشاف عجزه أمام الرأي العام في الداخل والخارج .
على أنه ومهما كان الموقف النهائي للحزب الديمقراطي التقدمي من الإنتخابات البلدية المقبلة ، فإن ما يترسب في الأذهان بعد أن شاعت أخبار الصراعات والإنقسامات داخله ، يحيلنا فورا إلى الجزم بأن المناسبات الكبرى هي التي عادة ما تميّز معادن الرجال ... وهي التي يحولها أمثال هذا الحزب ـ مع الأسف ـ إلى منعطف مظلم لغاية الإستجداء ، والتصاغر ، وتحقيق الأهداف الذاتية الزائلة ،، على حساب المصالح الوطنية العليا الباقية ...
لذلك ، فنحن لا نرى من موقعنا بدا من تصديق مقولة الدكتور الكبسي حين أعلن بأن أطرافا من المعارضة في تونس لم يدركوا مرحلة النضج التي هي المحك الأوحد لإختبار فاعليتهم في المشهد السياسي العام ، وإمتحان مدى تجذرهم في واقعهم الوطني ، وقياس مدى إبتعادهم عن مؤثرات الشخصنة ، وعن كل الأجندات الموردة إلينا من الغرب .