لم يسلم من انفلونـــزا البـق.. حرارة مرتفعة وهذيان مستمر
فعلا إن شمس الأندلس لها تأثير خاص يساعد على تأجيج نيران الهذيان و إشعال فتائل الأوهام، وإذكاء جنون الخَرَفِ والهلوسة،، أليس هي الشمس التي انبثقت من أشعتها شخصية.. دون كيشوط.. الأسطورية،، ذلك الأهبل الذي انقلب على حماره فارسا صنديدا يحارب جيشا عرمرما من طواحين الهواء... حتى أصبح مثلا مرجعيا لدى علماء النفس في تناول حالات من التبس عليهم الواقع بالخيال...
هي ذات الشمس التي لفحت سليم بقة، ونفثت لهيبها في مُخَيَّخِهِ، حتى غلى غليان المرجل، فصار يهذي بها في كل مقالاته، وجعلها ملهمة قلمه المتعود على خطّ الإسفاف والدونية، وتزويق مستنقعات الإشاعة، وزخرفة خنادق الأخبار المسمومة، وترويج نتانتها بين المتهافتين على الدسائس والافتراءات... ممن هم أكثر "هبلة".. ليصبحوا بالتالي أدوات طيعة يتلاعب بها... وكيف لا،، وقد نالت من جميعهم انفلونزا البق، وتسربت بين ثناياهم عدواها الفتاكة.
لا نزاع، في أن حدة الشمس الأندلسية فعلت فعلها في سليم، فأضعفت مناعته في مواجهة هذا الوباء الذي يحمله بين جنباته، ويبثه عن وعي، وعن غير وعي، بين المحيطين به... هكذا إذن انقلب السحر على الساحر وأصابت "السخانة" رأس البقة، فارتفعت الحرارة عنده، وازداد هذيانه، وتوسعت رقعة خَرَفِهِ.. ويا حافر حفرة السوء، ما تحفر كان قياسك.
طبيعي والحالة تلك،، أن يتردى سليم في أحطّ درجات "الهبال"،، زد إليه، تأثيرات الكحول والخمور، ليكتمل هيجانه، فيغدو يهز من الجابية ويحط في الخابية،، يرطم تارة بكلمات مبهمة، ويهذي طورا ببطولات خارقة، وغزوات كاسحة، ويسند لنفسه أدوارا عنترية ما جاد بمثلها زمان أو مكان...
مخ الهدرة، كان بقة.. فتحول في طرفة عين إلى "صيد بوقلادة"...
نعم،، هكذا فعلت الحمى بسليم البقة، فصعقته، وحوّلته إلى حالة هستيرية فريدة من نوعها، لا تضبطها ضوابط، ولا تحدها حدود، بدليل أنه صار يتخيل حروبا يخوضها ضد الجميع، بل ويتفنن في اختلاق حملات عدائية ضـــده
وفبركة مؤامرات، يقول إنها تحاك للنيل منه... فإن كان هذا التعيس قد نسي،، فنحن لا ننسى، أن قَدْرَهُ بالفلسين مردود.. ( ومعذرة لأبي الطيب المتنبي على هذه الاستعارة ).
بكل هذه السذاجة والحمق، تصور سليم أن دولة بكل مؤسساتها الرسمية تتجند لمحاربة مجرد.. بقة.. وتخطط ( كان ما في بالكمشي ) لتوفير أحدث الأساليب للكشف عن تفاصيل حياته الشخصية، وتعرية ما يحوم حولها من أسرار حميمة... كأنما حياته وأسراره تهم أحدا، كائنا من كان،، فما أعجب أن يكون المرء بهذا القدر من البلادة والركاكة.
فمن تراه بقي من رواد خمارات الحي اللاتيني وسان ميشال بالعاصمة الفرنسية، لم يسمع بنادرة من نوادر هذا الجهبذ،، ومن منهم لم يطلع بدل المرة مرات على أدق جزئيات حياته الزوجية، خاصة بعدما تمتلئ جوفه بما يترسب في كؤوس الأخرين من المشروبات الروحية،، ومن منهم أيضا، لم يحاول ولو لحين إستفزاز شذوذ " الرجل " ليضحك الكل من خسته، وتفاهته.
...أما الأنكى، فإنه حينما يضحكون عليه،، يضحك معهم،، وما درى أن شرّ البلية ما يضحك.