إن مبادرات العفو التي سلكتها السلطة في المناسبات الدينية والوطنية،، آخرها عند إحياء الذكرى 21 لتحول 7 نوفمبر،، والتي أطلق فيها سراح ما تبقى من قيادات عصابات النهضة، وعلى رأسهم أميرهم صادق شورو... إنما كانت مبادرات إرادية، لا دخل فيها لزيد أو عمرو، أو حتى PAUL،، ولا لغيرهم، مهما مأتاهم.
هي في تقديرنا، وفي تقدير كل لبيب،، عفو سام من شيم الكرام، منح لمن أخطأوا في حق أنفسهم، ودينهم، ووطنهم... علّهم يعودون الى الجادة، ويسارعون الى مراجعة ذواتهم، والتوبة من أخطائهم، تمهيدا لرجوعهم الى حضيرة المجتمع، والمساهمة في معركة البناء والتشييد في ظل ظروف إقليمية ودولية متقلبة.
لكن،، ونرجو أن نكون مخطئين،، كل المؤشرات تدل، وتؤكد، يوما بعد يوم، أن العصابات المعفو عنها لم، ولن تتغيّر، وأن الأيام والأشهر والسنين، لم تزدها إلا تعنتا، وتمسكا بالضلال، والمغالطة، والمكابرة أيضا...
فالمتتبع لمواقف وتصريحات بعض زعاماتها، مثل حمادي الجبالي، وحبيب اللوز، وعلي العريض، ومحمد العكروت، وعبد الكريم الهاروني... يلاحظ دون عناء، أنهم لا يزالون كما عهدناهم، متشبثين بأفكارهم الهدامة، وسلوكياتهم الاجرامية، بل هم أشد إصرارا على تحدي القانون بخليط من المسكنة، والتظلم، والمغالطة، والتباكي... علّهم يجدون من يصدق أكاذيبهم ويتعاطف مع إصرافهم في التشكي.
ولعل التصريحات الأخيرة التي أدلى بها " الأمير " السابق لهذه العصابات صادق شورو، الى أحد المواقع، خير دليل على هذا النمط من الإسفاف،، فيكفي أن تلحظ تشديده على عبارة الإلتزام بـ" الثوابت التي قامت عليها الحركة".. أي ـ حسب ما نعرفه، ويعرفه الجميع ـ محاولة إقامة دولة تيوقراطية، شعارها التعصب الديني، وقوامها إقصاء الآخر، تحت شعار إقامة حكم الله، وإستخلافه على الأرض... لتتأكد أن ما بالطبع.. لا يتغيّر.
أكثر من ذلك، أن شورو، تمادى في أكاذيبه ومهاتراته، فصرح بأن.. ظروف السجن كانت جدّ صعبة، استهدفنا ـ والقول له طبعا ـ في ديننا وأنفسنا ومالنا وأهالينا، رأينا كيف يحارب الإسلام في السجون التونسية، حيث تمنع الصلاة، وأداء الفرائض، وقراءة القرآن، ويداس المصحف الشريف... يالله... هكذا، بكل وقاحة، وقلة حياء...
ثم،، ينقلب على عقبيه، ويكذب نفسه بنفسه، فيقول في تصريح ثان... أنه قضى فترة العقوبة في التعبد، وذكر حرفيا.. " كنا نعتمد في سجننا على حفظ القرآن الكريم، وتدبر آياته، وتوطيد علاقتنا بالله تعالى من خلال المداومة على الذكر، والصلاة، والصيام، وتلاوة القرآن وفهم معانيه، وقيام الليل،، كل هذا أعطانا زادا روحيا مكننا من قضاء هذه الفترة بثبات وعزم قويين ".
ولم يتوقف عند هذا الحدّ من التناقض،، فيذكر بكل تبجح وجحود ـ حول ظروف وملابسات " العفو الرئاسي" الصادر لفائدته ومن معه،، وهو المحكوم بالمؤبد ـ أن "خروجنا من السجن لم يكن له أي مقابل، وبدون تنازلات من جانب قيادة الحركة أو أعضائها، ولم تقدم أي تعهدات تجاه النظام تكون بمثابة الثمن لهذا الخروج من السجن...".
بل،، يستطرد في وقاحته، ويذهب بعيدا في قلة حيائه،، ليحمل المسؤولية لأصحاب الفضل عليه، حول ما قد يحدث مستقبلا ( إن شاء الله خير ) إذا لم تقدم السلطة على الاعتراف بالنهضة، فيقول: " إن طرح مبادرة للمصالحة، مرهون بمدى استعداد النظام لقبول مصالحة مع الحركة..."، فهو يشترط ـ وهذي قالتلهم أسكوتوا ـ أن يكون هنالك.. " استعدادا حقيقيا لحلّ كل المشاكل المتعلقة بمهام الحركة ودورها، فإذا توفر هذا الاستعداد، فالحركة ستكون مستعدة للمصالحة،، لكن، لابد أن يسبقها بروز مؤشرات حقيقية تثبت أن النظام قد غير مواقفه تجاهها، وأن يسمح لها بممارسة نشاطها الطبيعي، وحقها في العمل...".
هكذا إذن،، تنقلب الحقيقة، وميزانها، وحتى مكيالها ومقياسها ،، مثلما ورد في مثلنا الشعبي الدارج.. شرط العازب على الهجالة... فيصبح الارهابي الذي أساء في حق الدين، والوطن، وكل أفراد الشعب... يملي شروطه، ويسنّ قوانين التعامل معه، وقد كان حريا به، أن يبكي بدل الدموع دما، ويندم على ما صنعت يداه، ويعلن توبته، ويكفّر عن أثامه وجرائمه...
فشتّان بين خطاب تأليفي، توحيدي، يكرس مقولة تونس لكل التونسيين، يجسمه العفو الرئاسي بكل ما فيه من معان سامية وروح عالية، ليحلّ التسامح محل البغضاء... وبين خطاب تفريقي، منافق، يحرض على التشتت والتشرذم والانعزال،، تتداوله عصابات النهضة، في شكل ردود فعل تضمر الكثير الكثير من الأحقاد، وتدفع الى الإعتقاد بأن.. حليمة لم تنس عاداتها القديمة...