تناهى الى علمنا أن أطرافا من " المعارضة الديمقراطية " تجتهد هذه الأيام، لانتقاء شبان من ذوي المستويات الجامعية، تتراوح أعمارهم بين 25 و45 سنة، لترشيحهم لفائدة مكتب الشراكة بسفارة الولايات المتحدة الأمريكية، لارسالهم لاحقا لمتابعة دورة سياسية بأمريكا تدوم 18 شهرا، تسبقها دورة تكوينية في اللغة الأنقليزية لمدة 6 أشهر، قبل أن يقع إختيار النجباء منهم للعمل في الميدان الاستخباراتي ببلدان شمال إفريقيا...
نحن نعتقد، كأسرة تحرير، أن هذا الذي علمناه، لا يحتاج أن نضيف إليه أي شرح، ولا أن نعدّله بأي تأويل.. فقد أفضى بكل ما يختزنه من نوايا، ونطق صراحة بما مؤداه أن العالم، هو العالم، لن يغني شيء عن حقيقة كونه سيظل أبدا منجذبا نحو قوانين " الأقوى ".. الى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وكصحفيين،، أولا وأخيرا،، لم يكن هذا الخبر ليثير تعجبنا واستغرابنا، فقد عركتنا السنون مع ما هو أعجب وأغرب،، إلا أننا لم نستطع من موقعنا هذا، أن نخفي موجة التساؤلات التي عبأت رؤوسنا،، ولا أن نكبح سيلان التعاليق التي جرت على ألسنتنا،، بألم، وسخرية، كقول بعضنا مثلا.. هاهي أمريكا تبحث الآن عن COW BOY ذي بشرة متوسطية سمراء... أو كقول بعضنا الآخر.. لقد صار الـSHERIF يستلطف الشاشية الأرجوانية،، ويمقت قبعته الداكنة...
كانت تعاليقنا تتقاطر دون إذن، ودون ترتيب، وتزدحم بالإيحاءات، والايماءات، والرموز، والمعاني، لكن،، ما جدوى أن نبقى نتساءل، ونعلق، ونملأ أعمدة صحفنا ومواقعنا بالتحاليل والقراءات، ويعتصر أصحاب الأقلام من أجل أن يستنهضوا قدراتهم البلاغية، ليسخطوا ـ في الأخير ـ بكلمات معدودات على " الصقر الأمريكي "، كلما تقدم خطوة.. فيها واو.. من شمال قارتنا الإفريقية،، ويلعنوا " الدب الروسي " إذا زاد على ذلك خطوة، أو خطوتين... ثم، تخرس أقلامهم، وكأن شيئا لم يكن.
وما فائدة أن نتساءل ـ أصلا ـ عن سرّ هذا الفائض من " الحنان " القادم الى شبابنا من وراء البحار، وحملت بعد تباشيره الأولى سفارة الولايات المتحدة عندنا وكذلك فعلت بالتأكيد سفاراتها الأخرى عند جيراننا الاقليميين... وقد علمّتنا دروس الماضي والحاضر، أن سماء العم سام لا تمطر ذهبا، ولا فضة، في أية بقعة من بقاع الكون،، هكذا لله في سبيل الله، وبعبارة أوضح.. بلوشي.
ولماذا نعيب على غيرنا، أن ينظر بمنظار مصالحه الاستراتيجية العاجلة والآجلة،، ولا نعيب على أنفسنا كإعلاميين تتجاور بلداننا، وتتشابه قضايانا، انصرافنا الكلي أو نكاد، عن متابعة شأن مصيري، كهذا الذي تخطط له السفارات الأمريكية قريبا من حياضنا الإقليمية... لماذا لا ننبّه شبابنا الى خطورة المنزلق، ونقنع من سال لعابه لسخاء العرض، وحلّق بخيالاته في الجنة الموعودة، وحلم برغد العيش... لماذا لا نلفت نظر جميعهم بأن الدورات التكوينية المبرمجة لمن تم انتقاؤهم، إنما هي طريق ذات اتجاه وحيد، وأن ما تفعله بمن يسير فيها، كمثل ما تفعله.. رياح السدّ.. أي أنها ـ حشاكم ـ " تدي.. ما ترد ".
أفيعقل أن تظل أقلامنا خجلى من أن تكتب، وتعيد، وتزيد بأحرف غليظة، وبكل اللغات لجميع أبنائنا في شمال القارة،، وتصارحهم بأن تلكم الدورات التي اصطلح على تسميتها بأنها " تكوينية "، ويجري الترغيب للإنخراط فيها على قدم وساق، على شبكة الانترنات حسب هذا العنوان www.neder.com.mepi.gov، هي دورات مشبوهة،، أهدافها خطيرة،، ونتائجها ـ حتما ـ وخيمة؟ !
أمن الحكمة أن تصمت الأقلام الصحفية، ولا تحاول أن تغير المنكر الذي قد يغري بعض شبابنا المثقف،، ولو بأضعف الإيمان، أو على الأقل بكلمة تذكي الحرارة في دمائهم،، ليعلموا قبل فوات الأوان، أن دغدغات السفارة الأمريكية، وغمزاتها، ومغازلاتها،، لن تجعل منهم أكثر من " صبّابة " يعملون لحسابها.
فرجاؤنا،، أن لا يتوغل زملاؤنا الصحفيون كثيرا في تفسير الصراع الجيوسياسي القائم بين الجبابرة،، لأن صراعاتهم تقوم على منطق لا يدرك خفاياه، ولا يعلم محصّلاته، إلا من أشعل فتائله... في مقابل أن ينصرف كل ذي ضمير صادق مهما كان موقعه،، الى شحذ قلمه، عسى أن يساعد على وضع الصورة الحقيقية في الاطار الحقيقي... حتى لا تكون فلذات أكبادنا ـ في النهاية ـ وقودا بخس القيمة لتلك الصراعات.