لما قرأت في صفحات الأنترنات، كتابات كان يخطها تباعا، أحدهم باسم طارق المكي، للتبشير بما كان يقول عنه "الجمهورية الثانية"... هزّني الطمع ـ صراحة ـ الى مطالعة هذه "السلسلة" الى آخر حرف منها، لعلي أجد فيها رؤية جديدة،، أو تحليلا هادفا،، أو أية إضافة قد أثري بها معارفي السياسية المتواضعة.
وحتى لما بالغ في تمجيد اختيارات العهد السابق،، واسترسل في التنويه بشخصية الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة (رحمه الله) لم أشعر بالفتور إزاء ما كتب، ويكتب... بل زاد تصميمي ـ كصحفي عنيد ـ على السير معه الى حيث يسير،، فقط،، لأكتشف لغز هذا الرجل، وأعرف كنهه، وأحدد النقطة التي يريد أن ينتهي إليها.
وصدقوني،، إذا قلت ـ في كلمة واحدة ـ أنني ما كنت أنتظر البتّة، أن أجد نفسي في خاتمة المطاف، أقرأ لـ" ميت حي"... نعم، هو بالضبط كذلك،، فطارق المكي،، حيّ، يكتب على ألسنة الأموات...!! ليس لأنه مجّد الزعيم الراحل، وأثنى على مواقفه،، فالكل يجلّه، ويقدره حق قدره، وينوه بتضحياته الجسام...
... بل، لأن طارق المكي،، توقف به الزمن عند أربعينات، أو خمسينات، أو ستينات القرن الماضي،، فتيبّس كليا بجميع أعضائه وحواسه عند تلك الحدود،، وفاته أن يعلم، ربما للوثة عقلية حاقت به،، أو لغيبوبة عميقة ألمت به (عافاكم الله) أن سياسات أيام زمان، كان فيها متسع لكل المسارات، والايديولوجيات، والشعارات القومية الملتهبة وما شابهها... أما السياسات العالمية الراهنة،، فلا أعتقد ـ شخصيا ـ أن فيها مكان لغير مقايضة المصلحة بالمصلحة مباشرة بين الدول،، بمعزل عن الأحاسيس المكذوبة والمركبة، التي لا تسمن ولا تغني من جوع...
وإني، لأعجب كيف يسمح لنفسه، نكرة مثل طارق المكي، بأن يسرف في الثناء على حقبة مضت من تاريخ بلادنا بحلوها ومرّها... ويجحد ـ في ذات الوقت ـ نعم التغيير التي ما فتئت تنضح حلاوة منقّاة، ومصفّاة...؟؟
ولأن الحقيقة مقدسة، بحكم أنها الحقيقة،، ولأن "الإسراف اللغوي" منبوذ، بحكم أنه " تخلويض " لا معنى له،، فلا حرج إذن في أن اعترف على صفحة هذا الموقع، بأنني لم أندم قدر ندمي الآن على ما أهدرته من وقت لقراءة كتابات صادرة عن واحد من هؤلاء الذين حنّطهم الهوس بالسياسة،، فأضحوا يهيمون على وجوههم وهم أقرب الى الأموات منهم الى الأحياء.
فكلما ذكرت " فلتة عصره " طارق المكي.. أو تذكرت تخاريفه،، تسارع الى ذهني بيت من نفائس الشعر العربي، يقول فيه صاحبه:
قد كنت تسمع لو ناديت حيّا
ولكن، لا حياة لمن تنــــــــادي.