بن علـــــــــي... هل تكفي الكلمات لوصف نجاحاته ..؟
تلقى الموقع من الدكتور عبد الوهاب الكبسي تحليلا نتولى نشره كما ورد حرفيّا
تابعت من بعيد،، من ستوكهولم،، الكلمة التي اختتم بها الرئيس التونسي، زين العابدين بن علي ،، مؤتمر " التحدي" للحزب الحاكم في الشقيقة تونس...
ولم يكن من الصعب عليّ، وأنا أتابع ما يقوله بن علي، أن أتذكر ما كنت كتبته سابقا، بخصوص شخصيته القيادية المتفردة بميزة، قلّما وجدنا مثيلا لها في أرجاء الوطن العربي الممتد من المحيط الى الخليج ... إنها ميزة " الهدوء " بكل ما ترمز إليه من عمق وحكمة .
لم أنس أني كنت رسمت كلمات (1) قلت فيها إن من بين مقوّمات التجارب الناجحة بتونس، الطبع " الهادئ " لرئيسها، بما يوحي للرائي، وللسّامع أيضا، بأن للرجل خصائص، ومميزات، يعــزّ تكررها.
وكنت تساءلت، كباحث سياسي واجتماعي،، هل بغير المعالجة الهادئة والرصينة والحكيمة، إستطاع بن علي بعد عقدين، أن يتجاوز آثار التفكك التي هيمنت أواخر العهد السابق على المجتمع التونسي، وأوقعته آنذاك، بين فكي التطرف الديني،، والتطرف النقابي،، وأغلقت عليه بكماشة الهيجان الطلابي المحتدم في أغلب الكليات.
لم أنس تلك الكلمات التي رسمتها،، وقلت في أعقابها " بالفم المليان " عزاؤنا الوحيد، نحن العرب، أن الرئيس بن علي شكل الإستثناء بفلسفته الهادئة، فأوجد لشعبه توازنات اجتماعية تشبه الاعجاز... ووهب لبلاده إكسير الحياة.
وها أني أعود الآن، وقد انقضى مؤتمر التحدي بتفاعلاته وانتظاراته، لأسأل كل من يهمّه أن يقرأ كتاباتي من النخب المثقفة خاصة،، بصفتي مواطنا جنسيته عربية، وأصله عربي... ألست محقا عندما أشرت كذا مرة، ومنذ ما ينيف عن السنة، الى أن بن علي هو الاستثناء،، وأسهبت في تحليل منقبة " الهدوء " التي ميّزته عن كثير من القادة الذين يمارسون " الحكم " على رقعة وطننا العربي العزيز..؟
لقد تكلم الرئيس زين العابدين بن علي، في خاتمة المؤتمر، فجمع وأوعى بأقل ما يمكن من الكلمات،، وبأعمق ما تفيض به المعاني،، وبأصدق ما تجيش به المشاعر،، وبأنبل ما تجود به الروابط المطهرة بين القائد ، وأبناء شعبه .
ولن أخوض طبعا ــ وهذا من منطلقاتي المبدئية المعروفة ــ في ملابسات المؤتمر، ومفاصله، أو في نتائجه وتأثيراته،، فذلك شأن يهم الأشقاء التوانسة دون سواهم... لكن أيّا كان الأمر،، فإن أقل ما أسجّله ــ للتاريخ، وللباحثين عن الحقيقة ــ هو أن الرئيس وجّــه رسالتين في قمة البلاغة الى التونسيين بجميع فئاتهم، ومستوياتهم، ومرجعياتهم الفكرية، والايديولوجية،، وكذلك إلى المجتمع الدولي بجميع منظماته، وهيئاته، ومجالسه...
فقد قال بن علي، بالصوت العالي : "ان قطار التنمية الشاملة المستديمة بتونس قد انطلق، ولن يتوقف.. وسنحرص على ان لا يتخلف عن هذا الركب أي فرد، أو فئة، أو جهة، أو جيل ..." :.
وأظنني، لا أجازف البتّـة، إذا أكدت أن هذه المفردات تنقل الأمان الى أبناء وطنه حيثما كانوا، وتحمل لهم بشائر الإطمئنان على مستقبل بلادهم... أفلم يقلها الرئيس،، مدويّـة.. إن قطار التنمية لن يتوقف.. طب خلاص... فهو لن يتوقف بمشيئة الله... وأراني هاهنا مدفوعا لأن أخـطّ بالبنط العريض، حرص بن علي على أن لا يتخلف عن الركب أي راكب.
فبصرف النظر عمّا تؤكّده هذه العبارات من رحابة صدره، واتساعه لكل أبنائه،، فإنّهــا، مفعمة، أيضا،، بأمل أن يثوب " المتخلفون سياسيا " الى رشدهم، وينخرطوا في منظومة البناء والتحديث والتطوير، بعيدا عن الشعارات التي لم يعد يؤمن بها كائن من كان،، لا من ردّدها في الشرق والغرب، ولا حتّى من صاغها، أصلا.
ولا يفوتني أن أفتح قوسا، لأشير بصراحة الى أن لي من الإخوة والأصدقاء في المعارضة التونسية على إختلاف توجهاتها،، أضعاف أضعاف ممّا لي في غيرها من الأوساط النخبويّة الأخرى... لكن، ماذا عساي أفعل أكثر من أن أرى الحق، فأقول إنه الحق... وأرى الباطل، فأقول إنه الباطل...
وإني، إذ أشدّد على دقّـة ما يرمز له " الريّس بن علي" عندما استشهد ببيت من قصيدة " إرادة الحياة " للشاعر الخالد أبي القاسم الشابي، حيث قال:
إذا طمحت للحياة النفوس * فلابد أن يستجيب القدر
فلأؤكد لعدد من الأشقّاء المعارضين في تونس، أن عارضوا مثلما تشاؤون، وكونوا ديمقراطيين، أو تقدميين، أو اشتراكيين، أو يساريين، أو ليبيراليين، أو يمينيين... كونوا كما يحلو لكم، شرط أن لا تكفروا بنعمتي الأمن والاستقرار، ولا تنسوا أن " تونس أولا "،، ولا تتحولوا إلى أبواق دعاية رخيصة بأيدي بعض السماسرة الغربيين الحاقدين... واطمحوا للحياة الكريمة ، حتى يستجيب القدر لطموحاتكم.
فكم كان بن علي ايجابيا، ومتفائلا، ومتطلعا الى الأفضل، فاتحا أبواب الأمل أمام الجميع، يملؤه طموح الارتقاء بشعبه الى الأعالي... فماذا، لو أخذتم أيّها "المعارضون"
عن رئيسكم، ايجابيته، وتفاؤله، وطموحه،، وقوّمتم ما اعتراكم من انحرافات،، حتى لا تكونوا كالذين قال فيهم الشاعر نفسه، في القصيدة ذاتها :
ومن لم يحب صعود الجبال * يعش أبد الدهر بين الحفر.
أمّـا رسالة بن علي الى المجتمع الدولي، فقد كانت هي الأخرى واضحة المعالم، زاخرة بالدّلالات، حيث قال حرفيّا : " سنواصل السهر على أن يعيش كل تونسي حرّا، عزيزا، كريما، في بلد حقوق الإنسان والديمقراطية والتعددية، بلد القانون والمؤسسات والمساواة، بلد الوسطية والاعتدال والتسامح، بلد الحوار والوفاق والتضامن...":.
وأجزم ــ وأنا أكتب الساعة، بكل صدق وصفاء الى كل تونسي وعربي، والى كل من يعشقون الحرية كممارسة فعلية،، لا كشعار أجوف ــ أن بن علي قد عانق الابداع في إبراز الرؤية التونسية الصميمة لمفهومي حقوق الإنسان، والديمقراطية...
ولا شكّ، أنها ليست المرة الأولى التي يخاطب فيها الرئيس، المجموعة الدولية قاطبة، والمنظمات، والجمعيات الحقوقية الوطنية، والاقليمية، والعالمية، بما عهدناه فيه من هدوء، وحكمة، وبعد نظر... ليجدّد التأكيد على أنّ فلسفة حقوق الإنسان في بلاده،، هي أنك عندما تتوغّل في أرياف تونس وصحاريها، بالطول والعرض، ترى النور منبعثا من كل بيت،، وترى الأعمدة الكهربائية منتصبة على قمم الجبال، وترى قنوات المياه ممتدة الى كل التجمّعات السكنية، والمزارع الخضراء، وترى أيضا المدارس، والمشافي، ومراكز البريد، وكل مرافق الحياة الكريمة.
ولعل القارئ الكريم يلاحظ ، أنني لم أتناول بالتحليل مبدأ حقوق الإنسان من وجهة النظر السياسيّة،، لأن هذا الأمر في تونس محسوم بطبعه.. ولا حاجة للرجوع إلى المقارنة بين عـدد الجمعيات والمنظمات المنتخبة شرعيا في هذا القطر، وبين أعدادها، وأنماطها، في الأقطار العربية الأخرى... ولا حاجة إلى مقارنة التشاريع التي أقرّت للمرأة التونسية على مـرّ الأزمان، بما أقـرّ لنظيراتها حتى في بعض البلدان الأوروبية...!!! ولا حاجة أيضا، إلى التذكير بالمعاهدات الدولية التي صادقت عليها البلاد التونسية والتي تضمن الحقوق الطبيعية للإنسان،، كإنسان... فأفيدونا،، جزاكم الله عنا كل خير،، إن كان كـلّ هذا من جوهر حقوق الإنسان،، أم تراه " لعب عيال"... أم ماذا يكون .. حتى نتعلّــم ونعلّــم... ؟!
ومادامت النصيحة من الإيمان... فإنّي أنصح إخوتي، وأصدقائي في " المعارضات" التونسية، وأخصّ بالذّكر أولئك الذين يدّعون في السياسة باعا وذراعا،، أنصحهم ــ بكل تواضع ــ بإعادة قراءة واقعهم، وتعديل مساراتهم، والإنتباه إلى النظريات المدسوسة التي تعلّب في الخارج لأغراض معلومة،، فهي كالبذور الفاسدة التي لا تنبت إلاّ زرعا فاسدا... فإن كان هذا يرضي أعداء النجاح على تنوّع مللهم ونحلهم،، فإنّه لا يرضي ــ بالتأكيد ــ أي تونسيّ غيور يعتزّ بانتمائه،، ولا أيّ عربيّ حــرّ يفخر بعروبتــــــه.
ثمّ ، لا بأس عندي، إن أنا فتحت قوسا ثانيا بخصوص معاني الديمقراطيّة بصفتها الإنسانية السّامية،، لا بصفتها شعارا " إنفلقت والله أكبادنا " من كثرة ما تداوله "الرّايح،، والجاي" بلا روح، ولا إدراك، ولا مفهومية.
وها إنّي أقول ــ على مسؤوليتي الخاصة ــ للأشقاء في تونس، سواء كانوا من قواعد المعارضة القانونية أو غير القانونية... إن أردتم ــ فعـلا ــ أن تفهموا حقيقة الدّيمقراطيّة التي يروم جانب من الغربيين أن تعشّش في أدمغتنا، نحن العرب، وتعرفوا جيّدا كيف يصدّرونها إلينا داخل أغلفة برّاقة تعجب الناظرين... فانظروا إلى حواليكم،، وإلى ما فعلته ديمقراطيّاتهم المغشوشة التي تنشر الموت في أكثر من مكان في العالم حتّى لا نقول أكثر.
... وإن أردتم أن تلمسوا الديمقراطية كقيمة ثابتة، وخيار حضاريّ يعطي الأمل في الحاضر والمستقبل، ويدفع إلى إذكاء جذوة الطّموح إلى الحياة،، فالتفتوا إلى ما أنجزته قيادة بن علي في عشريتين من الزمن، وتيقّنوا،، أن تونسكم هي الأنموذج الأصلي... فكيف لها أن تقبل بالنماذج المستنسخة... ؟؟!!
سعدا لكم،، أشقاءنا الأعزّاء في تونس برئيسكم، وبقيادتكم... فسيروا على بركة الله إلى مواعيدكم المتجددة مع التاريخ،، والله وليّ التوفيق.
بقلم / الدكتور عبد الوهاب الكبسي
أستاذ وباحث في العلوم السياسية والإجتماعية
ستوكهولم