حين قال سقراط قولته الشهيرة، مخاطبا أحد طلابه.. : " تكلم حتى أراك".. كان يدرك تمام الادراك، بأن الإنسان، ما لم يتكلم، يبقى كائنا غامضا، وطلسما عجيبا، لا يمكن بأي حال فكّ رموزه، والنفاذ الى أعماقه، وكشف ماهيته، والفصل بين نباهته، و" بهامته "...
وإني أجزم، وهذا حقيقة مبعث حزني،، أن ليس ثمة الآن،، الآن،، من بين من يتقمصون ـ رياء ـ أدوار المعارضة في تونس، يمينيين كانوا أو يساريين، من سمع بهذه المقولة،، أو فهم عمق معانيها،، أو حاول يوما أن يتعاطى معها على أي نحو يراه... مما يؤكد للمرة الألف ،، مع الأسف الشديد،، أن جهل هؤلاء الأدعياء، هو مصيبة المصائب، وهو الطامة الكبرى...
فلو لم يكن جهلهم مدقعا، وغباؤهم مستشريا،، ما كنا سمعناهم يتكلمون، وما كنا وقفنا على ما يختلج في صدورهم من أحقاد،، ولا وصل الى حد أيدينا ـ كقراء عاديين ـ حوار الشؤم الذي دار بين نجيب الشابي، وحمة الهمامي، وعلي العريض، ومصطفى بن جعفر، ومن خلفهم منصف المرزوقي،، وهم يخططون على طريقة إبليس لسيناريوهات شيطانية، كيدية، بنية إدخال البلبلة والقلاقل في أوساط هذا المجتمع الكادح،، والتشكيك في متانة الترابط بينه وبين قيادته.
أي نعم... لولا جهلهم،، لما رأينا ـ بالمكشوف ـ صورهم الفاضحة، بينما كانوا يتعرّون فردا فردا، ويزيحون عن بعضهم البعض آخر ما كان يستر عوراتهم من أوراق التوت... ولولا غباؤهم لما حسبوا أن الرأي العام الوطني بعد الذي سمع وشاهد، بالصوت والصورة، سيقف إجلالا لوضاعتهم، ويصفق لسذاجتهم، ويهتف لسخفهم...
" تكلم حتى أراك "... كلمات معدودات، نطق بها سقراط قرونا قبل الميلاد، فأصاب،، وتداولها من بعده الفلاسفة والمتكلمون بالدرس والتمحيص، فانتبه ذوو العقول النيرة إلى ما تفيض به من حكمة... وتعامى عنها الموغلون أشواطا في أوحال العمالة، والخيانة، والتذيل.
أقول هذا، وأتمنى أن يتكلم من هنا فصاعدا، كل البيادق،، و"عرايس القصب" الذين لا تزال تحركهم بعض الأيادي الخارجية، عساهم يفصحون عمّا يعتمل في قلوبهم من ضغائن... كم أتمنى أن يتكلموا... كما تكلم كل الذين سبقوهم من أزلام المعارضة في الداحل والخارج، حتى يراهم أبناء الشعب على طبيعتهم، ويتعرف إليهم أكثر، وأكثر، وأكثر.
وإني، والله، إذ أتألم لما آل إليه مستوى الفعل السياسي عند بعض المحسوبين غلطا على السياسة،، فإني أسلم تسليما ـ ودون شك ـ بأن الارادة الإلاهية هي الفيصل دوما،، تنتصر للحق، وتسفّه الباطل، وتعزل هذا البلد المسالم عن "فيروس" الاشاعات الهدامة، وتفضح أحلام المنافقين،، مصداقا لقوله تعالى... والله يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور (صدق الله العظيم).